تمثيل الصحابة والأنبياء..نحو اجتهاد جديد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تمثيل الصحابة والأنبياء..نحو اجتهاد جديد

مُساهمة من طرف kamali في الأربعاء سبتمبر 22, 2010 4:02 am

تمثيل الصحابة والأنبياء..نحو اجتهاد جديد


عصام تليمه

باحث في العلوم الشرعية
اسلام اونلاين


تثار بين الحين والآخر قضية تمثيل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسل والأنبياء في السينما والدراما، وبخاصة عند حلول شهر رمضان، حيث تعرض فيه بعض الأعمال الدينية، والموضوع شائك بلا شك، بما يمثله من حجر عثرة متمثلا في موقف المشايخ والمجامع الفقهية، والتراث الفقهي المعاصر في تناول المسألة تحريما وتشددا.

كان أول قرار سياسي بمنع تمثيل شخصيات الأنبياء، في عهد الخلافة العثمانية، وقصة ذلك: أن بعض النصارى أرادوا أن يمثلوا قصة يوسف عليه السلام في بعض المدن السورية، فهاج المسلمون لذلك، وحاولوا منعهم بالقوة، ورُفع الأمر إلى الآستانة، فصدرت إرادة السلطان عبد الحميد بمنع تمثيل تلك القصة وأمثالها. [1][1

ويكاد يكون هناك شبه اتفاق بين المجامع الفقهية العلمية على اختلاف توجهاتها، الرسمية وغير الرسمية على منع ظهور الصحابة، وبخاصة العشرة المبشرين بالجنة وآل بيت النبوة، فضلا عن التشدد في المنع في تمثيل شخصية الرسل والأنبياء والملائكة بوجه عام.

وجهة نظر المانعين:

ولعل خير من تبنى وأصل هذه الأدلة التي تمنع تمثيل شخصية الرسل والصحابة هو بيان الأزهر الذي وقف به ضد فيلم (الرسالة) للمخرج الراحل مصطفى العقاد، وبنى قراره بالمنع على هذه الأدلة:

أولًا: يعترف المسلمون جميعًا أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكمل البشر، وخير المَخلوقين، وصُورته المعنوية في أذهان المسلمين صورة مُستمدة مِن إيمانهم وعقيدتهم، بأنه ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ على الذِّرْوة مِن الخُلق الكريم، ولا يتأتَّى تَمثيلُه في صورة تنزل بمَكانته الرَّفيعة وبقُدسيته التي فَرَضَتْها الرسالة.

والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أثنى عليهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووَصَفهم بالحميد مِن الصفات، وتمثيلهم نُزولٌ ـ أيضًا ـ بهم عن مَكانتهم الشريفة.

مَن هو ذلك المُمثل الذي يُمثل شخصية أبي بكر، وعثمان، وعليّ وأبي عبيدة؟ ومَن هو المُمثِّل الذي يَستطيع أن يُمثل سيد الشهداء حمْزةَ عمَّ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم؟ إنَّ كل تمثيلٍ لسيد الشهداء نُزولٌ به عن مَكانته، فمَن يُدانيه حتى يُمثله..؟ هذا أمر.

والأمر الثاني: هو أن المُمثِّلينَ يَرتبطون في أذهان المُشاهدين بعِدَّةِ مواقفَ مَثَّلوها مِن قبلُ، بعضها عابث، وبعضها عريقٌ في الإجْرام، وبعضها يُساهم في مواقف الغَرام بحظٍّ مَوْفور، فكيف نُبيح لأمثال هؤلاء الذين يرتبط ماضيهم بهذه المَواقف التمثيلية أن يَقتحموا حِصْنَ القداسة؛ فيُمثلوا حمزة أو يمثلوا أبا بكر؟

ثم إن هؤلاء المُمثِّلينَ سيُمثِّلون في مُستقبل حياتهم أدوارًا أخرى، أدوار المُهرِّبين أو اللصوص، أو العُشَّاق، أو المُهرِّجين، ولا يَسمح الأزهر والصورة هكذا بأن يُمثَّل الصحابةُ على الشاشة. [1][2]

وقفات مع فتاوى المنع والتحريم:

إن نظرة فاحصة على كل الفتاوى التي صدرت في الموضوع، نجدها فتاوى متأثرة بظرف معين، ونظرة معينة للتمثيل، وبيئته، والقائمين عليه، وما تمثله هذه الخلفية عند الناس من صورة معينة، ألقت بظلالها على فكر كل مفت أفتى في هذه المسألة.



ملاحظات على كلام المانعين:

هناك عدة ملاحظات يقف أمامها أي باحث متأمل للقضية في الفتاوى الصادرة عن علماء منفردين، أو قرارات خرجت من مجامع وهيئات إسلامية، وهي كالتالي:

1ـ يلاحظ أن معظم آراء المانعين قامت على العاطفة، وليست على الدليل الواضح البيِّن المبني على أدلة من كتاب أو سنة، أو نقل من التراث.

2ـ كما أنها تأثرت كثيرا بما لدى العامة من شعور، وتصور للموضوع، وكان رؤية العامة مؤثرة في الفتوى، لا العكس.

3ـ أنها كانت متشددة بصورة مبالغ فيها، وغير مبررة، ومبنية على هواجس وظنون، وتخوفات، لا على حقائق ويقينيات مدروسة.

4ـ أنها كانت مسبوقة بعاصفة من الرأي العام القائم على غضب الجماهير، وحساسيتها من القضية. وتبع هذا العاطفة الجماهيرية، والغضبة الشعبية: منع سياسي، فاجتمع على الباحثين فيما بعد في القضية، ضغطان شديدان يعيقان الباحث عن تأمل القضية بعيدا عن هذه المؤثرات: ضغط السلطة، وضغط الجماهير، وكلاهما مؤثران شديدان يوجهان فتوى المفتي، ورؤية الفقيه.

اجتهادات معاصرة:

على أن هناك اجتهادات معاصرة، تمثلت في الفقه الشيعي، ثم الفقه السني، ففي الفقه الشيعي لا يمنعون ظهور أو تمثيل شخصيات الصحابة، وكذلك الأنبياء، ولا أدري علام بنى الفقهاء الشيعة رأيهم، إن كان الفن الشيعي المتمثل في السينما الإيرانية قد قام بهذه الأدوار بناء على فتوى سبقت العمل، وإن ذكر الشيخ فيصل مولوي أن هناك فتوى عند الشيعة بالجواز[1]]، والشيعة من قديم يجيزون التصوير، وعندهم صور لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

أما الفقه السني فموقفه من القضية موقف متشدد مانع، اللهم إلا بعض الاجتهادات على استحياء وفي مجال الصحابة الكرام فقط، بجواز تمثيل شخصياتهم، وأول من قال بذلك في عصرنا، هو المفكر الكبير دكتور محمد عمارة، في بحث له قدمه لندوة اقرأ الإعلامية الثالثة[2][4]، والعجيب أن الدكتور عمارة كان من بين أعضاء مجمع البحوث الإسلامية الأخير، الذي أكد على منعه تمثيل شخصية الصحابة، وشدد أكثر مما مضى في الفتوى، ولم يبد الدكتور عمارة اعتراضا على الرأي، ولم يشر أن له بحث سابق في الموضوع مال واجتهد فيه إلى إباحة الأمر.

ثم اجتمع مؤخرا منذ أربعة أشهر عدد من العلماء بدعوة من إحدى الشركات الفنية في قطر، ودعت بعض العلماء المبرَّزين في الشريعة، والمعروفين للأمة، وانتهوا إلى جواز تمثيل شخصية الصحابة بما فيهم العشرة المبشرين بالجنة، وأكدوا على منع تمثيل شخصية الرسل والأنبياء، من هؤلاء: الدكتور القرضاوي، د. سلمان العودة، الشيخ عبد الله بن بيه، د. أحمد الريسوني. ولم تعلن الفتوى اللهم إلا تسريبا من إحدى الصحف السعودية، [3][5] ولم يخرج من العلماء تكذيب، بل صدر من بعضهم تصديق عليها، مع توصيته بعدم نشر الفتوى، حتى يبادروا بكتابتها ونشرها على الناس.

رأينا في المسألة:

أرى أن شيوخنا وعلماءنا شددوا في قضية ليس مجالها التشدد، وأن أدلتهم التي ساقوها وكلها تدخل تحت باب سد الذرائع مردود عليها. كنت أناقش أحد العلماء الكبار حول إجازة تمثيل شخصية الرسول، وأدلة المانعين، فكان مما قاله دليلا على المنع: إن المسلم يحتفظ في نفسه بهالة من الحب والتوقير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعندما يمثل شخص دور النبي صلى الله عليه وسلم ستنطفأ هذه الهالة والحب في نظر المسلم.

وأقول: إن هذا الكلام ليس صحيحا مائة في المائة، فتصور شكل النبي صلى الله عليه وسلم تصور نسبي، وتخيل نسبي كذلك، كما أن نظرة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أجمل خلق الله خِلْقة فهو لا شك مبني على حبهم له، فقد امتدح الله سبحانه وتعالى خُلُق النبي ولم يذكر خَلْقه، دلالة على أن الإسلام لا يعنى بشكل الأنبياء، بل يعنى بذكر حسن خُلُقهم، لا حسن خِلقتهم.

هذا من حيث الخشية على الصورة المبنية في أذهان المسلمين عن رسول الله صلى الله عليه سلم، وهو واضح من وصف الصحابة لرسول الله، فهو مبني على حبهم له، وتوقيرهم وتعظيمهم لشخصه ورسالته، بدليل أن هناك أحاديث في وصفه تبين أنه مميز عمن حوله، وواضح بينهم. وهناك أحاديث أخرى، يأتي شخص ما والرسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فيسأل: أيكم محمد؟ أو: أين محمد؟ أو أين رسول الله؟! فلو كانت أوصاف خلقته مميزة بهذه الدرجة الحسية التي لا تخطئها العين، لاكتشفه الكافر قبل المسلم. فهي إذن صفات خُلُق، وصورة مبنية على جمال الرسالة، لا على البحث عن شكل معين لصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم.

كما أن من الثابت علميا: أن أي حدث يحدث، سواء صوتا كان أو صورة، أو موقف يحدث لفئة من الناس، أو لفرد واحد، هذا المشهد لا يلغى من الذاكرة الزمنية، حتى ولو مر عليه ملايين السنين، وإن لم يسجل بالصوت والصورة، بل يمكن استرجاعه بكل أحداثه وشخوصه كما كان تماما، ولكن لم يهتد الإنسان إلى الآن للآلة العلمية التي تمكنه من التقاط الحدث صوتا وصورة كما كان، فالحدث لم ينته ولم يلغ من ذاكرة الزمن، بل لا يزال موجودا، ولكن مهارة الإنسان أن يخترع الآلة التي تمكنه من تسجيل الموقف.

فهب أن عبقريا من البشر هداه الله عز وجل لاختراع هذه الآلة، ثم قام بالتقاط أحداث من السيرة النبوية، في انتصاراته، وفي بلائه، وفي تحمله لمشاق الدعوة مثلا، وجاء بالمادة على شريط، وعرضه على الناس، ما الموقف حينئذ، وهو لم يمثل الموقف، بل جاء بالموقف ذاته، هل ستهتز صورة الرسول في أذهان الناس؟!

وهل عندما مثل الفنان عبد الله غيث دور الحمزة رضي الله عنه، ورأيناه في أدوار أخرى، اهتزت صورة الحمزة في أذهاننا؟! هذا كلام مناف للواقع تماما، أدعو المشايخ الأجلاء لمراجعته بدقة، عن طريق إحصاء علمي دقيق، يجرى على المسلمين الذين شاهدوا هذه الأفلام الدينية، ويحصى بدقة مدى تأثيرها السلبي والإيجابي.

أما الأدلة التي أسوقها من القرآن والسنة المطهرة، في جواز ذلك، وهي كثيرة أكتفي منها بدليل، يقول الله تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب) ص :21ـ23 ففي هذه الآيات نرى الملائكة تنزل على داود عليه السلام في صورة خصمين، وقد قاما بتمثيل دوري الشاكي، والمشكو، الظالم والمظلوم، وانتظرا الرد من نبي الله داود، ومن ذلك من باب تعليمه الحكم والقضاء، فإذا جاز للملك وهو طائع لله دوما، أن يقوم بدور الظالم العاصي لله، فمن باب أولى جواز تمثيل الممثل وإن كان أقل بكثير في الدرجة الإيمانية والخلقية من الصحابة، ولا مقارنة بينهما من الأصل في هذه الناحية.

فمن الواضح أن القضية باتت تدور حول دائرة واحدة، علينا أن نبحث فيها، دائرة الضوابط، والشروط التي ينبغي أن ندقق فيها فيمن يقوم بأداء مثل هذه الأدوار.

أردت بهذا المقال الموجز، الدعوة إلى دراسة الموضوع من جديد، في ظل اجتهاد جماعي، يراعي الزمن وتطوراته، وما جد من متغيرات في العصر الحديث، فكم من فتاوى بنيت على واقع وتغير، فهل نأمل من الأزهر، ومؤسساتنا الدينية المستقلة أن تعود لبحثه مرة أخرى بعيدا عن أي مؤثرات لا علاقة لها بالبحث العلمي من قريب أو بعيد، هذا ما نأمل ونرجو.





--------------------------------------------------------------------------------

[4][1] انظر: فتاوى الشيخ رشيد رضا (4/1421،1420).

[5][2] انظر: فتاوى عبد الحليم محمود الجزء الثاني، وفتاوى دار الإفتاء المصرية (10/3534-3538).


1][3] انظر: مقال (تجسيد أشخاص الأنبياء والصحابة في الدراما.. قراءة في الفتاوى المعاصرة) للدكتور مسعود صبري. على موقع إسلام أون لاين.



[2][4] انظر: بحث (التمثيل الفني لأدوار الصحابة رضي الله عنهم) للدكتور محمد عمارة، مقدم لندوة اقرأ الإعلامية الثالثة المقامة في 9-10 رمضان 1421هـ الموافق 4-5 ديسمبر 2000م.

[3][5] انظر: جريدة (عكاظ) السعودية، العدد (3154) الصادر في يوم الخميس 19 من صفر 1431هـ ــ 4 من فبراير 2010م.




kamali
Admin


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى