ما سبب انحراف المغاربة في أروبا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ما سبب انحراف المغاربة في أروبا

مُساهمة من طرف kamali في الإثنين مايو 17, 2010 2:38 am

ما سبب انحراف المغاربة في أروبا

بثينة الجحرة



شد انتباهي تصرف طفلة صغيرة بصحبة أمها كانتا جالستين قربي بعيادة طبية، وهي تطلب منها الرحيل بإلحاح شديد وتضرب على وجهها دون خجل وبقسوة، بطريقة استفزتني حتى تمنيت لو أن الأم تنهر ابنتها لتكف عن هذا التصرف المشين، لكن ما أثارني أكثر هو مسايرة الأم لطفلتها وهي تبش في وجهها محاولة إخفاء حنقها وانزعاجها من تصرفات ابنتها، وفهمت من خلال لكنة الطفلة أنهما مقيمتان بإحدى دول المهجر.

وفي محاولة منها تخفيف غرابة الوضع أخبرتني أنها لا تستطيع تأنيب ابنتها خشية أن تشتكي منها لدى معلمتها في الحضانة التي توصي التلاميذ بالتبليغ عن أية إساءة تعرضوا لها في البيت بموجب قانون يحمي الأطفال من عنف الآباء، لكنه استعمل من طرف الأطفال بمفهوم خاطئ على جميع المعاملات بينهم وبين أفراد أسرهم، فينشأ العنف مع الأطفال منذ نعومة أظافرهم بداية من الأسرة وبعده المحيط الخارجي.

ففي كل يوم تصدر جرائد وصحف على أنواعها بأوربا، تتخللها مواضيع عن الإجرام والتمرد في الوسط الاجتماعي، ويلاحظ أنها لا تخلو من أخبار تخص الجالية المغربية خصوصا ما يتعلق بالعنف والجرائم المختلفة لدى القاصرين، ومما نشرته بعض الصحف الهولندية أن نسبة المسجونين في سجون الشباب هم من أصول مغربية، متهمون بالعنف والتمرد على القوانين داخل المدرسة أو في الشارع، إضافة إلى تهم أخرى لتصرفات اكتسبوها من خلال هذا العنف كالسرقة والهجوم على المارة وعدم احترام الجيران في الحي.

والغريب أن هؤلاء الشباب المتهمون بالتمرد ينحدرون من أسر وعائلات مغربية أكثر اندماجا في المجتمعات الأوربية، مع أنه من المعتاد أن كلما ازداد شعور الارتباط بالمجتمع كلما كان سلوك الإجرام أقل، وقد عزى بعض المحللين هذه التصرفات إلى أسباب نفسية، مثل الحساسية تجاه الصورة السلبية المتشكلة حول الشباب المغربي، أو عدم التوفر على وظيفة رغم اندماجهم الاجتماعي والثقافي، وأرى مبالغات كبيرة من طرف الإعلام الأوربي عندما يشن هجومه عليهم، فما تمردهم ليس إلا متنفّس لهم عن همومهم ونتيجة لفشل الآباء الذين ليست لديهم الإمكانيات والسلطة لتوجيههم، كما أن هؤلاء الشباب المتحدث عنهم في الصحف ليسوا مغاربة بل هم شباب أوربي تلقوا تربية أوربية، ولا يجب القول أنهم من أصول مغربية، ولا يجوز قانونا أن يتحمل الآباء المغاربة عقوبات تفرض عليهم نتيجة أخطاء أبنائهم.

وفي رأيي أن هذا الإجرام والعنف كرسه القانون المعمول به في دول أوربا الذي أتاح للقاصرين التحول إلى متمردين بفضل الحقوق التي منحت لهم كمواطنين يعيشون تحت ظل حكم بلد الإقامة، وزرعت فيهم الإحساس بالأحقية على المجتمع بما فيه آباءهم وذويهم، وأعطتهم سلاحا يهددون به كل من سولت له نفسه أن يقوّم اعوجاجهم وينصحهم، ولم تعلمهم كيف يستعملوه حتى لا يتحول إلى حقد تجاه الآباء واستعلاء على الآخرين، وجعلتهم يفهمون خطأ أن لا حق لآبائهم عليهم ولا يحق لهم أن يؤدبوهم، ويعتبرون ذلك ظلما في حقهم يستوجب التبليغ عنه فورا لدى الشرطة، ثم إن بعض المهاجرين يكتسبون بعض العادات السيئة ببعدهم عن أبنائهم وتكريس وقتهم للعمل لتحصيل القوت والمال، مما ينعكس سلبا على سلوك الأبناء المتحررين من رقابة الآباء والمحميين بحكم القانون فيكتسبون مساوئ المجتمعات الأوربية الجديدة ويلفظون العادات الحسنة المميزة لها، لتنشأ طبقة من الناس لا تتشابه بصفاتها مع صفات أبناء جلدتها الأصليين ولا تتناغم بخصالها مع خصال المجتمع الجديد، فيرفضها البلد المضيف، ويستنكرها البلد الأصل!

ثم هناك فئة أخرى من الشباب يشتكون من قصور التعاطف والمعاملة الودية بينهم وبين آباءهم، وانعدام تقارب الأفكار فيما بينهم فتخلق هوة سحيقة بين جيلين متعارضين يسبب عنفا في السلوك لديهم فيتأثر أداؤهم في المدرسة، وربما تعاطوا المخدرات، أو يشاركوا في المشاغبات المحفوفة بالمخاطر أثناء فترة المراهقة، هذه الفترة الحرجة التي يصعب على الآباء السيطرة عليها للتواصل مع أبناءهم لإحساس هؤلاء بالاستقلالية وميلهم لرفض كل ما يطرح عليهم، ولأنهم يخشون التدخل في تصرفات أبنائهم خوف أن يعود ذلك عليهم بعواقب ليست في صالحهم، فيضطرون للسكوت عن عيوب أخلاق أبنائهم والانصياع لهذا القانون الذي أذاب وشائج القرب بينهم.

هذا في المحيط الأسري، أما في الشارع فهناك مشاكل أخرى أكثر تجريحا لنفسية الشباب المغربي حتى وإن كان يعتبر من نفس الطبقة المشكّلة للمجتمع الآخر، حيث تلعب العنصرية دورا هاما في تفكيك الشريحة الاجتماعية المختلطة سواء في العمل أو في المدرسة أو حتى في المتنزهات العمومية والمطاعم وعلى نواصي المقاهي، فقد يتعرض الأطفال إلى الميز داخل الأقسام بعدم منحهم رتبهم التي يستحقونها فيثورون على أساتذتهم مستعملين نفس الحقوق والقوانين التي أعطتها لهم الدولة لكونهم مواطنين، فيعاقبون على تصرفاتهم لأنهم من أصول مغربية وينعتون بالمتمردين، وفي الأماكن العمومية قد يحرم شاب من الجلوس في مقعد معين لأنه غريب، أو يشار إليه كإرهابي، لما لهذا الهاجس من أثر في نفوس الأوربيين في نظرتهم لكل مسلم عربي، أو يمنع طفل مع أمه من اللعب في الأرجوحة بينما يستولي عليها طفل آخر بمعيّة والديه مشيرين إلى أنهم أحق بذلك فهم مواطنون أصليون والآخرون نازحون مضايقون وينعتون بالدونية لأنهم أجانب، فيشعر المهاجرون بأنهم مهمشون ومرفوضون في المجتمع الذي هم فيه، فتزداد الهوّة بينهم وبين مجتمعهم تصل إلى درجة كرههم لوطنهم الجديد وحقدهم عليه، هذا الحقد الذي يتحول إلى غليان وثورة تصعِّد وثيرة العنف لدى الشباب المضطهد من طرف دولة منحته شيئا محظورٌ عليه استعماله كمواطن، إلا فيما يخص التبليغ عن والديه اللذان يربيانه على الطريقة التي يريان أنها الأنسب!! ومن طرف المجتمع الرافض لوجوده لكونه غريب عن الديار، فلا يجد وسيلة للتعبير عن احتياجاته واكتساب مكانته وتعويض حرمانه إلا برد الهجوم بطريقته إما بالضرب والشتم أو السرقة أو اللجوء إلى المخدرات للهروب من حاله فيعتبر متمردا في نظر غيره.

إن ما يحدث لأبناء المغاربة في جل البلدان الأوربية ظاهرة تحتاج إلى دراسة من مختلف الجوانب تتناول أزمة الهوية والدين والثقافة الأصلية، والعمل والتعليم وفرص المستقبل والاحترام المتبادل والاعتراف بوجود الآخر في مجتمع واحد متعدد المشارب، ويجب الجلوس إلى هؤلاء الذين نعتوا بالمتمردين للاستماع إلى همومهم ومشاكلهم وأسباب ثورتهم على المجتمع الآخر ومحاورتهم لمعرفة سبب عنفهم وجرائمهم، ولا يقتصر النظر فقط إلى الظواهر بل يجب التعمق في الأسباب المؤدية إليها أيضا، وتبقى بلدان المهجر هي المسئول الأول عن انحراف الشباب المغربي مهما كانت نشأته وأصله، فهو يعتبر مواطنا أوربيا تنطبق عليه كل القوانين والأنظمة مثله مثل أي مواطن أوربي دون اعتبارات وتمييز، فباحتضانه واحترام ثقافته المرتبطة بأصوله وتغيير صورته وسط مجتمعه الجديد وذكر معاناته وهواجسه، بدل التقليل من شأنه وإهانته بتلطيخ سمعته بتهم وإدانات تنسبها لبلده الأصل بينما هو ترعرع تحت حمايتها.

وبالقضاء على العنصرية بين الأفراد، وتوفير الشغل للمواطنين على حد سواء، ورد الاعتبار للشباب المضطهد في الشارع وفي صفوف الدرس والمتنزهات...، ستجنبه السقوط في هوة التمرد ضد بلد كان بالأمس موطنا له فغدا اليوم عدوا لها يزعزع أمنها كما زعزعت كيانه ولم تستمع لمطالبه ووضعته في زنزانة الميز عن الآخرين، ساعة إِذِنْ ستنخفض نسبة العنف والجريمة، وستغيب عن أعمدة الجرائد الأوربية أخبار الشباب المغربي المدان بشتى الجرائم

kamali
Admin


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى